عبد الرزاق الكاشاني ( القاشاني )

290

لطائف الأعلام في إشارات أهل الإلهام

توبة وغير ذلك ، وإنما اللّه هو الذي فعل فمن كان مشهده هذا لم يصح عنده أن ينسب التوبة إلى نفسه . لأنه يرى بأن اللّه هو التائب عليه . فلما عاد الحق على عبده ظهر صورة ذلك العبد في العبد برجوعه إلى ربه . ومن فهم هذا المعنى حكم بسريانه في جميع الأفعال لقوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ أي بذاتك إِذْ رَمَيْتَ يعنى بنا وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى ( الأنفال : 17 ) إذ ليس لغير اللّه شئ بدونه . ومنها : أن [ 59 ظ ] الأمر لما تغرب عند المحجوبين عن وطنه بما أودعوه من الفعل لأنفسهم قيل : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ ( النور : 31 ) وقيل لهم : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ( البقرة : 222 ) فقوله لهم : وتوبوا أي ارجعوا فانظروا من نسبتم إليه هذا الفعل منكم ترون إنما هو اللّه لا أنتم فهو الفاعل بكم فيكم وإليه يرجع الأمر كله فتوبوا من رؤيتكم أن لكم استعلاء لا يفعل ليتوبوا منه فكان أحد الوجوه التي تحمل عليه التوبة هو هذا المعنى . ومنها : أنه لما كان الأصل لا يقتضى رجوع العبد إلى من لم يفارقه لأنه معه فكيف يرجع إليه ، قال تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ( الحديد : 4 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ( ق : 16 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( الواقعة : 85 ) لم يصح عند من انكشف عن بصيرته عين الحجاب فلم يكن من أهل البصائر المكفوفة عن رؤية هذه المعية والأقربية أن يكون توبته بمعنى الرجوع إلى من لم يزل معه غير مفارق له . فلهذا يتوب من هذه التوبة التي هي اعتقاد أن الحق لم يكن معه ليرجع إليه إذ لا يصرف العبد معناه إلى معنى إلّا والحق في الصرف والصارف والمصروف . قال ابن أيوب : إذ نادى فهو المنادى إذ لا ينادى إلّا من يسمع وهو سمعك فلا تسمع إلّا به فما فقدته قبل ندائه إياك لترجع إليه لأنه هو القائل :